عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
467
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
قال : وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناهُ من سماع الغناء ، والنظر إِلَى وجوه الملاح بعد تناول الألوان الطيبة ، والمآكل الشهية . فَإِذَا شبعت منها نفوسهم ، طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص ، والاستمتاع بالنظر إِلَى وجوه المُرد . ولو نظروا فيما ذكر من ( التقليل ) ( * * ) من الغذاء ، وما فيه من المجاهدة دُون الشهوات ؛ لأخذوه بقدرٍ ، ولم يحنوا إِلَى سماع ونظر . وذكر بقية الكلام . وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من العُلَمَاء ، الإجماع عَلَى تحريم السماع المعتاد في هذه الأزمان عَلَى وجهه المعتاد . قال : ومن نسب إباحته ، إِلَى أحد من العُلَمَاء - يُجوز الاقتداء به في الدين - فقد أخطأ . وما جاء عن بعض المشايخ من استباحته ، ففي غير هذا السماع ، وبشروط شرطوها غير موجودة في هذا السماع . ومما ينبغي أن يُعلم أن الله تعالى أكمل لنا ديننا ، وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينًا . فما ترك شيئًا مما يقربُ منه ومن دار كرامته ، إلا وأرشدنا إِلَيْهِ ، ولا شيئًا يُباعد عنه وعن دار كرامته ، إلا وزجرنا عنه . ولما كان الآدمي مركبًا من جسد وروح ، ولكل منهما غذاء يتغذي به ، فكما أن الجسد يتغذي بالطعام والشراب ، ويلتذ بالنكاح وتوابعه ، وبما يشمه ويسمعه ، فكذلك الروح لها غذاء تتغذي به ، هو قوتها . فَإِذَا فقدته مرضت أعظم من مرض الجسد بفقد غذائه ، ومتى كان الجسد سقيمًا . فإنه لا ( يلتذ ) ( * * ) بما يتغذي به ، ولا يميلُ إِلَى ما ينفعه ؛ بل ربما مال إلي ما يضره . فكذلك القلب والروح ، إذا مرض فإنه لا يستلذ بغذائه ، ولا يميل إِلَيْهِ ، بل يميل إِلَى ما يضره . ولا قوت للقلب والروح ، ولا غذاء لهما سوى معرفة الله تعالى ، ومعرفة عظيمة وجلاله وكبريائه . فيترتب علي هذه المعرفة ، خشيته
--> ( * ) التقلل : " نسخة " . ( * * ) يستلذ : " نسخة " .